• العربية

أوراق ذابلة

أوراق ذابلة

Author : غابرييل غارسيا ماركيز

جبرييل جارسيا ماركيز كاتب مخل وروائي ملحمي ذو قدرة خارقة على حشد الوقائع والأحداث كبيرها وصغيرها مهما تباعدت حلقاتها وتفرقت عناصرها في سلسلة متماسكة يفضي أولها إلى آخرها في ترابط وثيق محكم الصياغة والبناء الدرامي الفني، وعلى تصوير شخوصه القصصية تصويراً أخاذاً نابضاً بالحيوية جياشاً بالمشاعر زاخراً بالتفاعلات، وهو ما بدا على أشده وأروعه في ملحمته الكبرى "لعنة الغواية" التي صدرت أصلاً باسم "مائة عامة من العزلة" والتي اعتبرت قمة أعماله الأدبية، وبوأته مكانته الأدبية المعاصرة بين أقطاب الروائع والملامح الأدبية الكبرى كهوجو ودوستوبفسكي ويكنز وبلزك وإضرابهم من عمالقة الفن الروائي في الأدب العالمي.

وإذا كانت هذه العجالة لا تتسع لتكون دراسة مستفيضة لمذهب جارسيا مركيز في هذا الفن، فإننا نجتزئ من هذا بالحديث عن السمة البارزة التي تفرد بها وهي الإغراب. فما من رواية أو قصة قدمها إلا كان موضوعها قائماً على فكرة غريبة ومتن خارج عن مألوف ما يطرقه الكتاب الروائيون، وإلا كانت الشخوص التي يديرها أو تدور فيها محفوفة بطابع الغرابة البالغة أحياناً حدود الخيال المفرط أو مجاوزة أحياناً أخرى نطاق المعقول...

ولكنك مع ذلك تتقلب في عالمه راضياً مشاركاً بكل جوارحك في الأحداث والتحليلات بما هو أقرب إلى الاندماج في هذا العالم الغريب، مستمتعاً بما تستشرفه من التصوير الدقيق الأخاذ والآراء النيرة، وساء صورت عن ذوي السداد والروية أو عن السواد الأكبر، متفكهاً بتلك المغامز الدفينة أو السافرة التي ينحو إليها في كثير من المواقف، إما تأكيداً لضحالة الشخصيات ذاتها، وإما فضحاً لخواء فيها، وإما سخرية وتنديداً لأذعين بمh في الحياة من ظلم وقهر وافتقاد لقيم العدل والحرية مما يكابده الناس في مجتمعاتهم وأوطانهم، باعتبار ذلك تصويراً صادقاً لحاضرهم وخطوة لتقويم أوضاعهم ومستقبلهم.

ثم إذ أشفى من هذا على النهاية تحس وكأنك كنت في رحلة جوية طاف فيها المؤلف بمختلف الأجواء وحلق في شتى الآفاق واتخذ سبيله في عوالم منها المليء بالسحر ومنها المنذر بالوبال، ولكنه في النهاية يستوي بك على الأرض الصلبة والواقع الحي في يسر وسلاسة يستأثران بالتقدير والثناء. ولعل هذا الإغراب وما يتفرع عليه من خيال يبلغ أحياناً حد الإغراق هو وليد التأثر ببيئته في العالم الثالث المليء بصنوف القهر والبطش والفساد الاجتماعي والسياسي، وانبعاث المؤلف بقدرته الخلاقة وثقوب بصره وبصيرته إلى Hv[hzih ف يتلك الصور الملحمية المتسمة بالعلم الغزير والمعرفة المستفيضة، وبالتجربة الذاتية المتولدة من المعاناة، والوعي بالتاريخ قديمه وحديثه، لكي تخلص لك في النهاية عملاً أدبياً بالغاً حد الروعة والإعجاز.

وبعد هذا فلن تستغرب ما يغلب على إنتاج هذا الكاتب المجيد من ذلك الإغراب الذي هو سبيله للتوصل إلى الحقيقة وتبيان ما في الوجود من عناصر الخير والحق والعدل والحرية، استشرافاً إلى تنقيتها من عوامل الشر والزيف والقهر، وسلاحه في هذا ذخيرة وافرة من التجارب الحية في حياته الشخصية العاتية في أكثر مراحلها لما يستهدف إليه مواطنوه وجيرانه في بلاد أمريكا اللاتينية من الظلم السياسي والاجتماعي وافتقاد لمقومات العدل والحرية.

فإن شئت في هذا المجمل أن نورد لك طرفاً من هذه السمة التي تحدثنا عنها فإننا نحتزئ بالقول أن المجموعة القصصية التي بين يديم والمستخلصة من كتابين كاملين له بعنوان "أوراق ذابلة" "ولا أحد يكاتب العقيد"، تتنافس قصصها في الاستحواذ على المشاعر لما اتسمت به من إغراب بالغ ووقائع حفلت بكل ما تصطخب به الحياة من تقلبات ومنازع وتحليلات فكرية وإنسانية عميقة المغزى بالغة الدلالة، استقاها من عالمه المائج في أمريكا اللاتينية وصوغها صياغة روائية فذة جمعت بين الواقع في صدقة وبساطته وبين الخيال المحلق في آفاقه اللامحدودة بأسلوب هو آية في البراعة والاقتدار.

وبتخصيص أكثر فأنت واجد متعة ذهنية موفورة وحافلة بعناصر كثيرة من اللمسات الإنسانية والفكرية والاجتماعية التي اشتلمت عليها أربع قصص هي: "الميراث الدامي" و"ليس في بلدنا لصوص" و"حلم الملايين" و"قلب الأم"، إلى جانب مجموعة أخرى من القصص الاجتماعي نحل فيها إلى فضح نظم الاستغلال والفساد السياسي خاصة قصة "سليلة الحسب والنسب" التي بلغ فيها الاستبداد الاجتماعي منتهاه باسترقاق الناس والتحكم في الأرض والزرع والضرع، وقصة "ثمن عشرين قتيلاً" التي برغم إيجازها تعري السلطة الغاشمة وتفضح ما يستر ظواهرها من ضعف بشري.

أما قصة بائع المعجزات فهي عالمية في مضمونها الاجتماعي باللغة السخر في إشاراتها اللبقة إلى الغزو السياسي الأجنبي للبلاد المستضعفة التي تمنى به. وفي قصة "بائعة الورد" نجد صورة مؤثرة للقلوب الجريحة التي يطوح بها الحب في مهاوي اليأس والإحباط، تستلخصها من تلك العجوز الكفيفة التي أوتيت من إرهاف الحواس وحدة الذهن مالا يملكه كثير من المبصرين.

وقصة "الرجل المجنج" فهي مثال فريد لمقدرة هذا الكاتب الإبداعية في خلق أنماط غير مطروقة من المادة القصصية البالغة الغرابة في بنيتها القوية الحبكة وسياقها الحافل بالفكاهة الذكية والإيحاءات اللماحة. يمكن أن ينبت للإنسان جناحان يستشرف بهما التحليق في عالم ملائكي هرباً من أثقال الحياة في هذه الأرض بما امتلأت به من مطامع مادية وشهوات ونزوات؟!

ولقد اشتملت المجموعة قصة: "إيزابيلا في دوامة العاصفة" وهي لون من التكنيك الفني في استخدام الزمن عندما تفقد الحواس وظائفها الطبيعية الدقيقة ويلابسها هذا الخلط الزمني الذي يبلبل الفهم ويحير الإنسان أهو بين ألأحياء أم في عالم الأموات.
Special Price: $4.00
  • SKU
  • 1006379
  • ISBN:
  • No
  • Author:
  • غابرييل غارسيا ماركيز
  • Pages:
  • 157
  • Pub. Year:
  • 2005
  • Publisher:
  • العودة بيروت
  • Cover:
  • غلاف
  • Order in Series
  • N/A