• العربية

الدولة المستوردة

الدولة المستوردة

Author : برتران بادي

إن مبدأ سيادة الدول يصمد بصعوبة أمام الملاحظة الملموسة. فليس من الضروري أن يكون مجتمعاً مستعمراً حتى يكون بإمكاننا تبيان أنه مجتمع تابع لغيره، ولا يكفي أن يكون للدولة مقعد في الأمم المتحدة حتى تدّعي، فيما يتعدى القانون الشكلي، ممارسة السيادة ممارسة كاملة، فهذا الشرخ العميق القائم في جسم القانون الدولي برمته يتجاوز النقاش الأكاديمي: إن معرفة الأواليات التي تعطل السيادة تسمح بحل لغز السلطة في العلاقات الدولية، كما تسمح بفهم كيف أن بعض النماذج السياسية تسافر، وتنتشر، وتفرض نفسها خارج نطاقها، أو بكلام آخر كيف يمكن لها مغادرة رصيف البلدان التي تسيطر على النصاب الدولي. لقد دخلت سوسيولوجيا التبعية هكذا بصورة خافية في ميدان العلوم الاجتماعية، وفرضت في الوقت نفسه، العددي من المسلمات. أولاً، مسلمة وحدة علوم المجتمع، ذلك أن تعارض المقاربات الاقتصادية والسياسية باستطاعته أن يغذي وهم سيادة الدول. ثانياً مسلمة حجم التنمية الدولي، ذاك أن تحليلاً داخلياً وحسب يمكنه حجب بصورة خطيرة الأسباب الحقيقية للتخلف الاقتصادي، وبالتالي تحميل مسؤولية العوامل الثقافية. أخيراً، مسلمة الطبيعة المحددة للعلاقات بين الدول التي تقلب الحدود والسيادات، وتجمع بين دراسة السلطة على المستوى الوطني، وعلى المستوى الدولي، وتؤدي إلى اكتشاف وجود نظام رأسمالي موحّد على مستوى الكرى الأرضية له مركزه وأطرافه.

ضمن هذه الرؤية يبدو الطرف عرضة، على الأقل، لثلاث وجهات نظر: كونه منهوباً من المؤكد فهو يغذي التطور الاقتصادي للقوى المهيمنة، كونه متخلفاً بنيوياً يخدم تفاقم تخلفه مصالح المركز ويوطّد شروط سيطرته، وكونه مشدوداً إلى إنجاز وظائف يليها تقسيم العمل على الصعيد الدولي فهو يخدم تنمية لا يستفيد منها البتة. بالإجمال تفرض هذه الرؤية الاقتصادية نفسها بسبب من طابعها الوظيفي: يصاغ نصاب التبعية ويعاد إنتاجه من دون أن يستطيع أي شيء وضع فعالية وحتمية منطقه موضع الشك. فالفاعل الفردي هو فاعل أعزل، ولا يعتدّ به: لا يملك أي تأثير على الأواليات التي تسلب سيادة دولته التي ينتمي إليها؛ سواء اختار استراتيجية المتعاون، أو استراتيجية المقاوم فخياره ليس له أي تأثير على النصاب الجماعي. من هنا يصبح الأمير في الجنوب دمية غير مسؤولة. وفي الحدّ الأقصى لا تستطيع أي إرادة إيقاف، ولا تسريع إيقاع عمل اليد الخفية التي تسيطر على النصاب الاقتصادي الدولي. إلا أنه ومهما يكن من أمر ومهما كانت الطرق والوسائط التي من خلالها تمارس فإن علاقة التبعية هي في المقام الأول سياسية، وتتجسد بسلب السيادة. ومن الممكن أن تتعرض الدولة التابعة المسلوبة مباشرة أو غير مباشرة من خلال شبكات مجتمعية لا تخضع لسيطرتها، إلى ثلاث أنماط من الاستلاب تطال قطاعات أساسية تحقق لها سيادتها: الوظيفة الدبلوماسية، وتناسق الوظائف المجتمعية والسياسية، وتنظيم المجال العمومي. ضمن هذه المناخات يمضي الكاتب برتران بادي في تحليلاته للوقوف على مكامن الضعف في الدول التي فقدت استقلاليتها المطلقة وجعلتها خلوّاً من هويتها الخاصة لتصبح دولة مستوردة، منتقلاً من ثم إلى بيان الأساليب الحديثة التي تنتهك بواسطتها الدول صاحبة النفوذ حرمة الدول الضعيفة نافذة إلى عمق كيانها ناسجة أحابيلها حول خناق تلك الدول لتجعلها دول تابعة.
Special Price: $16.00
  • SKU
  • 1006500
  • ISBN:
  • 9789953711508
  • Author:
  • برتران بادي
  • Pages:
  • 447
  • Pub. Year:
  • 2006
  • Publisher:
  • دار الفارابي للنشر والتوزيع
  • Cover:
  • غلاف
  • Order in Series
  • N/A