• العربية

طريق إخوان الصفاء

طريق إخوان الصفاء

Author : فراس السواح

يتناول الباحث فراس السواح ضمن مشروعه الفكري "فكر إخوان الصفاء وخلان الوفاء"، الذي يعتبر جمعية سرية تأسست في مدينة البصرة، حاضرة الثقافة الإسلامية، في زمن ما من النصف الأول من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وتركت لنا ميراثاً فكرياً وروحياً متميزاً، بقيت آثاره فاعلة في الثقافة الإسلامية عبر عصورها، يتمثل في اثنتين وخمسين رسالة لم يذكر مؤلفوها أسماءهم، تبحث في شتى معارف عصرهم من فلسفة وعلوم وإلهيات، وتهدف إلى التأسيس لمذهب إسلامي ذي طابع كوني، يستغرق المذاهب كلها ويوحّد بينها.
يرى الباحث السواح في مقدمة كتابه أن الغموض يلف نشأة هذه الجماعة وتنظيمها وعدد أعضائها، على الرغم من أنها نشطت في عصر حكم الأسرة البويهية في بغداد، وهي فترة موثّقة لنا تمام التوثيق. وقد تضاربت فيها أقوال القدماء وتباينت الآراء، ومعظمها متأخر عن عصر إخوان الصفاء، وذلك عائد إلى الطابع السري للجماعة ولجوئها إلى التقية والستر، على انتشارها الواسع في جميع أرجاء العالم الإسلامي. لكن السواح يرى أن ثمة خبراً تاريخياً واحداً يمكننا الركون إليه، جاءنا عن المؤلف أبو حيان التوحيدي المعاصر لجمعية إخوان الصفاء، وعلى وجه التحديد لمن ألف الرسائل منهم. فقد أورد التوحيدي في كتابه " الإمتاع والمؤانسة" وفي كتابه الآخر "المقابسات" محاورة جرت بينه وبين ابن سعدان وزير صمصام الدولة البويهي، نحو عام 372 هـ على الأرجح. تعطينا هذه المحاورة معلومات لا بأس بها عن هذه الجماعة، في مقدمتها زمن تأليف الرسائل الذي ربما يعود إلى أواسط القرن الرابع الهجري. وتشير المحاورة مباشرة إلى المقر الرئيسي للجماعة، وهو البصرة، كما تدلنا المحاورة على السمة العامة لمذهب إخوان الصفاء الذي يعتمد على التوفيق بين الدين وفلسفات العصر وعلومه. وفي حديث التوحيدي تلميحات صائبة إلى روحانية مذهب الإخوان، وجنوحهم إلى السلم في نشر مذهبهم الذي يخلو من المطامح الدنيوية والسياسية، واعتناقهم لمثل اجتماعية عليا، والطابع الأخوي لتنظيمهم.
ويرى السواح أن رسالتهم على ما نجد في ثنايا الرسائل أخلاقية بالدرجة الأولى، تحثّ على تهذيب النفس وتطهيرها من الآراء الفاسدة والاعتقادات الرديئة المؤلمة لأصحابها، والارتقاء بها فوق عالم المادة الذي يعتبرونه سجناً للنفوس الإنسانية. ولكن هذه السمة الخلاصية لمذهبهم لم تكن تعني انسحاب الفرد من العالم والانكفاء على نفسه من أجل تدبير خلاصها، لأن على الفرد في سعيه لخلاصه الفردي أن يساعد النفوس الأخرى على الخلاص أيضاً، وذلك عن طريق نشاط جمعي واسع تقوم به جماعة الإخوان، التي جعلت من نفسها نموذجاً للمجتمع الجديد المنشود الذي تحثّ تعاليمهم على بنائه. وقد وجّهوا النقد اللاذع إلى الفساد السياسي والاجتماعي السائد في زمنهم، والتدهور الأخلاقي الذي يسم العلاقات الاجتماعية، وشخّصوا أمراض المجتمع، وأشاروا إلى طرائق الإصلاح. وقد تكلم الإخوان في الرسائل في شتى فروع المعارف الفلسفية والعلمية، في زمن لم يكن فيه العلم قد استقل عن الفلسفة، ووضعوا رسائلهم في أربعة أقسام، يختص كل قسم منها بموضوع من موضوعات الفلسفة، وهذه الأقسام هي (القسم الرياضي، القسم الطبيعي، قسم النفسانيات والعقليات، قسم الآراء والديانات). ويقوم مذهب الإخوان على التوفيق بين الدين والفلسفة، وهو طريق اختطه قبلهم الفيلسوف (الِكندي)، ولكنهم أول من وصل إلى أقصى غاياته. فإذا كان على المرء أن يبدأ أولاً بالإيمان الذي هو التصديق والإقرار بما أخبر الأنبياء، إلا أن الإنسان العاقل لا يلبث حتى يضع إيمانه هذا موضع التفكير العقلي. وهنا يأتي دور الفلسفة، وطلبُ المعارف الحقيقية التي تقود إلى تصديق العقل بعد تصديق القلب. كما يقوم مذهب الإخوان على التوفيق بين الأديان. ويشير الباحث السواح إلى تأثّر الإخوان بالفلسفة اليونانية، وإلى الأفكار التي تأثروا بها. ثم يستعرض لنا الخيوط العامة للمذهب الغنوصي، وذلك لغرض التقديم لفكر إخوان الصفاء الذي رأى فيه تنويعاً على الفكر الغنوصي ومدخلاً إلى الغنوصية الإسلامية. وبعد أن يذكر السواح الأفكار الغنوصية الأساسية الذي يقوم عليها مذهب الإخوان، يرى أن الأخوان يختلفون مع الغنوصية التقليدية في أكثر من نظرة وممارسة. فمذهب الإخوان، على عكس الغنوصية التقليدية، مذهب تفاؤلي، وهم إذ يدركون ما في العالم من قصور ونقص، يؤمنون بالقدرة على إصلاحه. وهم ينطلقون من قاعدة نقدية واسعة للمجتمع ومؤسساته وللأخلاق السائدة، من أجل تحقيق هذا الإصلاح المنشود. كما تختلف غنوصية الإخوان في وسائل وأساليب تحقيق المعرفة. فبينما تركز الغنوصية التقليدية على المعرفة الصوفية التي يحققها التأمل الباطني في معزل عن العالم ومؤثراته، فإن الإخوان يرون أن الثمرة الأخيرة للمعرفة، وهي معرفة النفس ومعرفة الله، لن تتأتى قبل معرفة العالم ومجرياته، ومعرفة الجسد الإنساني بجميع وظائفه، لأنه مسكن النفس ووسيلتها إلى الانعتاق. ولقد ابتدأ الإخوان رسائلهم بأكثر العلوم تجريداً وهو الرياضيات وعلم العدد، ثم انتقلوا إلى الهندسة، ثم إلى الموسيقا التي عدّوها علماً رياضياً، ثم وجهوا أنظارهم إلى السماء ورسموا خارطة للكون، ثم عادوا إلى الغلاف الجوي ورصدوا ظواهره من بروق ورعود وحركة رياح وشهب وما إليها، ومنه هبطوا إلى سطح الأرض فقاسوا بيئاتها وتضاريسها ومناخاتها ونباتها وحيوانها، وأدركوا كرويتها فقاسوا قطرها ومحيطها، وحددوا خط الاستواء والمدارين، وخطوط الطول والعرض، ثم نزلوا إلى أعماقها وحددوا مركزها واعتبروه مركز الأثقال جميعها مشيرين بذلك في المقام الأول إلى قانون الجاذبية، ووصفوا معادنها وتركيبها العمقي، وتوقفوا ملياً عند جسم الإنسان فوصفوا عملياته البيولوجية ووظائف أعضائه، واكتشفوا الدورة الدموية والسيالات العصبية، ووصفوا آليات السمع والبصر والشم والحس، وتحدثوا عن مراكز الدماغ ووظائفها، والعمليات النفسية من إدراك وإحساس وما إليها، وبسطوا المنطق الأرسطي والبرهان الفلسفي وطبقوا ذلك في مناهجهم البحثية، ووضعوا الأسس للنظرية الداروينية في ارتقاء الأنواع والتطور عموماً. وفي غمار ذلك كانوا يبسطون مذهبهم ويدعون إليه، إثر تعليقهم على كل علم من العلوم وظاهرة من ظواهر الطبيعة والكون. أمّا منهج السواح لدراسة الرسائل يكمن في جمع الأفكار والمعلومات وفق محاور رئيسة استبعد منها كل تكرار واستطراد ومعالجات إضافية، فتجمعت لديه سبعة محاور:1- نظرية الكون.2- صفة العالم. 3- معرفة النفس. 4- ارتقاء النفس ونجاتها. 5- الآخرة والنشأة الثانية. 6- إسلام إخوان الصفاء. 7- طريق النجاة المشترك والمسائل التنظيمية. وتلك المحاور تشكل فصول الكتاب، إذ قام الباحث السواح بجمع ما بعثره الإخوان عبر رسائلهم من أفكار تتعلق بكل محور، ونسّق فيما بينها في نص مطّرد، قدمها بنصها الذي وردت فيه. وجاء جهده منصباً على تتبع المذهب أكثر منه على تتبع المعلومات. وعلى رصد الأفكار وكيفية تطويرها أكثر منه على إبراز الذخائر المعرفية للإخوان، وكان معنياً فقط بالغايات الكامنة وراء كل ما قالوه.
Special Price: $17.00
  • SKU
  • 1007722
  • ISBN:
  • 1007722000003
  • Author:
  • فراس السواح
  • Pages:
  • No
  • Pub. Year:
  • 2008
  • Publisher:
  • دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة
  • Cover:
  • No
  • Order in Series
  • N/A